كرة صالح سليم |
![]() |
إعداد: شريف لطفي - محمود الرفاعي |
| أقرأ النسخة الكاملة لأول كتاب يكتب فى مصر عن كرة القدم |
مقدمة وهنا تتحسس الآذان شيئاً لا يمكن تجاهله، هذا التعبير المخلص النابع من الأعماق الذي يطلقه الجمهور عندما ينطق باسم ناديه يريد له النصر والغلبة، لا يرن بنفس نبرات الحماس التي تتأجج أصداؤها فتلتهب الأسماع عندما تجلجل حناجره بهتافه التقليدي : |
" صالـح .. صالح " ولن يقتصر لقاؤنا مع صالح سليم في الصفحات التالية على مناقشة التفاصيل الفنية لكرة القدم، فقد حاولنا أن نركز أيضاً على العوامل الشخصية التي تفاعلت مع الموهبة فحققت له هذه الشعبية التي لم يحلم بها لاعب كرة في الوطن العربي . |
لقاء مع كرة القدم فريق المدرسة : غادر صالح فصل السنة الرابعة الابتدائية بعد أن انتهت حصة القراءة متجهاً إلي مكان ما في حوش المدرس حيث خبأ دومة كاملة الاستدارة، ليطمئن عليها توطئة للمباراة الكبيرة في فسحة بعد الغذاء لفت نظره إعلان يقول إنه على من يرغب في لعب كرة القدم، أن يقدم اسمه إلي ضابط المدرسة . تردد صالح قبل أن يذهب إليه لأنه كان المشرف على هندام التلاميذ، وكثيراً ما كان ينهره لأن حذاءه أكل عليه الدوم وشرب ولأن أظافره كانت سوداء من كثرة اللعب والشقاوة .انبهر صالح من ضخامة الملعب الذي يبدو عملاقاً بجانب شارع عكاشة أو حوش المدرسة، كما كانت هذه أول مرة يتعامل فيها مع كرة قدم بالحجم القانوني . كان يظن أن التحكم في الكرة (الكفر) أسهل من الدومة بل ومن الكرة الكاوتش ولكنه فوجىء بالأمر كله وسرعان ما لهثت أنفاسه وبدأ يترنح في الملعب العملاق . وهنا قال له ضابط المدرسة سيد أفندي ساخراً : أنت بس شاطر في الشقاوة والزعيق في المدرسة، وساعة الجد هنا تعبت ومش قادر تجري ! أنت باين عليك مبتعرفش تلعب . يا لها من كلمة جارحة لكابتن الشارع وصاحب الكرة الكاوتش . إن الضابط لا يعرف أنه يلعب بمفرده ضد خمسة من أولاد الجيران ويتغلب عليهم ولا يعلم أنه هزم عبد الوهاب أخاه الصغير " 26/ صفر " قبل يومين . لم ييأس صالح من هذه السخرية بل على العكس ظل يلعب الكرة مع زملائه حتى استطاع بعد جهد أن يروض الكرة الكفر . وجاء اليوم الذي طلب منه سيد أفندي أن يشترك مع فريق المدرسة في بعض المباريات منها مباراة الدور النهائي أمام المدرسة الخيرية الإسلامية، وكان عبد العزيز همامي رئيساً لفريقها في ذلك الوقت ويومها فازت المدرسة الخيرية الإسلامية ووقع صالح وكسر ذراعه، وعلى عكس ما توقع الجميع فرح صالح بهذه الإصابة واعتبرها أول وسام يتقلده في هذا الميدان . ورآه من النادي الأهلي الأستاذ حسين كامل وسأله الانضمام إلي الأشبال . وافق والده على إشراكه في الأهلي وأوصى عليه صديقه المرحوم جميل عثمان مدرب الفريق الأول في ذلك الوقت . فكان صالح يتردد على النادي أيام الجمعة، أما باقي الأسبوع فكان يرتع فيها في الملعب الأم - شارع عكاشة - حيث كانت تحضر فرقا ًمن الحي ومن أحياء أخرى للتباري . والعرف المتبع أن يكتب رئيس الفريق خطاباً إلي الفرقة الأخرى يدعوها فيه إلي تحديد موعد لإقامة مباراة ويرسل في ظرف مغلق مع أحد أفراد الفريق الآخر . مثل هذا الخطاب يكتب بأسلوب يدل على روح رياضية ولا يحمل صيغة التحدي ويطلق عليه اسم ) باصة ( ، وانتقل صالح إلي المدرسة السعيدية التي كانت تضم محمد الجندي وحنفي بسطان والمرحوم محمد أمين وغيرهم، ولم تكن المدارس الأخرى مثل شبرا الثانوية وفؤاد الأول والخديوية أقل حظاً فكان معظم لاعبيها يلعبون في الفريق الأول أو الثاني أو الأشبال في نوادي القاهرة . وكانت المباريات بين المدارس تشهد جمهوراً إن لم يكن أكثر عدداً من جمهور الأندية فإنه كان قطعاً أكثر حماسة وكان الطبل والزمر والتشجيع والهتاف على أشده مثل ما نراه من جمهور الأندية هذه الأيام . |
![]() |
ألتحق صالح بالفريق الثاني في المدرسة إلي جانب النادي الأهلي الذي كان يلعب فيه يوم الجمعة فقط . عندما أنهى حنفي والجندي وزملاءهم دراستهم في المدرسة وجد نفسه يزحف إلي الفريق الأول لمدرسة السعيدية ليرث مع من زحفوا معه تركه مثقلة بالكؤوس والانتصارات والجمهور الغفير وسُمعة رنانة لفريق المدرسة تقع على عاتقهم مهمة الاحتفاظ بها . الكرة في السعيدية : تمتعت المدرسة السعيدية التي كانت تتبع منطقة وجه قبلي بمكانة مرموقة في دوري المدارس وشهدت عصراً ذهبياً في مجال الرياضة، ولم تكتف بتفريخ لاعبي الكرة بل امتد نشاطها إلي سائر الألعاب الأخرى، ولكن كرة القدم كما هي الحال دائماً كانت تلقى الاهتمام الأول .كانت المدرسة تعطي كثيراً من الامتيازات للطلاب الرياضيين مثل المجانية للإقامة في القسم الداخلي وصرف مكافآت تشجيعية لغير القادرين فضلاً عن الاهتمام الشخصي من المدرسين وما يجره ذلك من شهرة ومكانة بين الطلاب، وفي كثير من الأحيان كان يتحول التشجيع إلي نوع من التدليل المفسد . ويقول صالح سليم : إن فريق المدرسة أضحى بلا نجوم، وكان المدارس الأخرى تملك من اللاعبين من هم أمهر منا بكثير ولهم شهرة في النوادي ولكننا كنا نتمتع بميزة هائلة، وهي الصداقة القوية بيننا، وكنا نحب المدرسة أكثر من البيوت فكنا نقضي فيها طوال النهار نخرج وندخل ونلعب " ونزوغ " ونعود إليها بعد مواعيد الدراسة . وكنا شلة واحدة نعرف أخلاق وطباع بعضنا جيداً ولذلك كان التفاهم بيننا على الوجه الأكمل وكنا بطبيعة الحال نلعب سوياً كل يوم مما أدى إلي إلمام كل منا بإمكانيات زملائه . وفي كثير من الأحيان كنا نلاعب فرقاً تتفوق علينا من حيث الأفراد ومن حيث الخبرة ولكننا كنا نصمد أمامها بالروح والتحمس وكنا نلعب فعلا بأعصابنا وأحياناً كان بعض اللاعبين يبكون إذا أصابنا هدف وخسرنا المباراة وأذكر مثلا في مباراة انهزمنا 2/ صفر في شوطها الأول وكانت النهاية لصالحنا .2/4 |
![]() |
| والسبب يرجع إلي العزيمة والتصميم وأذكر أننا فيما بين الشوطين كنا قد تحققنا من تفوق الخصوم علينا من حيث المهارات الفردية فقررنا أن نضاعف الجهود لنهرب بالكرة ونعطيها لأي زميل لأن بقاء الكرة مع أحدنا فترة طويلة تتيح للخصم الاشتباك معه وهذا لا يعنى إلا ضياع الكرة، ولذلك اشتهر فريق المدرسة منذ هذه المباراة بالتمريرات الفورية حتى قيل إننا نتخلص من الكرة كما لو كانت تهمة "!! وبدأ صالح سليم يتمتع بحب الجميع في المدرسة وكان الأستاذ أحمد مصطفى المشرف على فريق الكرة يتنبأ له بمستقبل باهر في هذه اللعبة وكان لا يكف عن تشجيعه وتقوية عزيمته وبفضله استطاع فريق السعيدية أن يواصل الانتصارات التي ورثها نتيجة لروح التعاون التي كانت سائدة بين اللاعبين وبدأ صالح سليم يلمع في مباريات منتخبات المناطق كساعد هجوم أيمن وكقلب للهجوم . من أشهر المباريات التي شغلت جمهور المدارس من الشباب الرياضي في ذلك الوقت المباراة النهائية على كأس مصر للمدارس الثانوية بين المدرسة الإبراهيمية التي كان يرأس فريقها " مُحب يوسف " والمدرسة السعيدية التي كان صالح سليم رئيساً لفريقها، وسار اللعب على نحو مثير وفازت السعيدية بعد كفاح مرير عندما سجلت لثاني مرة لتنال الكأس بنتيجة 2/1 استقبلها جمهور السعيدية بالطبل والرق . خلال هذه المباراة تمكن صالح سليم من صعود أول درجة في سلم المجد بالنفاذ إلي قلب الجمهور وإمتاعه بلمحات من الفن وأصبح له عدد لا بأس به من المشجعين . إلي أن نال كأس أحسن لاعب في سداسيات كلية الزراعة وكان مشتركاً فيها ممثلاً للسعيدية . |
![]() |
رحلة إلي الإسكندرية : كانت فترة التلمذة التي قضاها صالح في السعيدية حافلة بالمغامرات والطرائف والرحلات، وأثناء رحلة الي الإسكندرية حيث كانت المدرسة مشتركة في يوم رياضي هناك استأجر صالح مع أخيه عبد الوهاب وبعض الزملاء دراجات للقيام بنزهة على الكورنيش وعندما تأخروا في إرجاع هذه الدراجات حدثت مشادة بينهما وبين العجلاتي، وتدخل في الأمر أحد أولاد الحتة وكان من فتوات الإسكندرية المشهورين، وزادت حدة المناقشة وتطورت إلي التماسك بالأيدي، وانطلق سيد عبد الحميد – كابتن فريق المصارعة - كالسهم لينقذ صالح من براثن الفتوة العملاق، ولكن صالح كان قد تمكن منه وطرحه أرضاً وصار يكيل له الركلات، وأخذ جمهور المشاجرة يتساءل عن هذا الشخص ذي الجسم الضئيل الذي ضرب الفتوة المشهور ! ؟ إنه صالح سليم ... ولم يعني هذا الاسم أي شىء بالنسبة له .. ومرت الأيام وأصبح الفتوة من أكبر مشجعي الأهلي الذين يهتفون باسم صالح سليم . وقت الجد : وفي زمرة الانتصارات الرياضية وحمامات البخار والتدليك قبل المباريات وتدليل المدرسين، تاهت الدراسة والمذاكرة ولم تحظ إلا بالقدر الضئيل في حياة صالح سليم وهو يقول في هذا الصدد : إلي الإبراهيمية : وحدث في إحدى سنوات وجود صالح بالسعيدية أن دب خلاف بين المدرسة وأحد أفراد الفرق الرياضية بالمدرسة، فتقدم صالح لكي ينهي الخلاف ولكنه وقع هو الآخر في خلاف مع إدارة المدرسة فقرر أن يحول أوراقه إلي المدرسة الإبراهيمية وقد تم هذا بالفعل، وفي الحال تحول معظم اللاعبون الممتازون في جميع اللعبات إلي المدرسة الإبراهيمية تضامناً مع صالح لحبهم له وشعورهم أن شيئاً كبيراً قد نقصهم وباتت المدرسة السعيدية في حزن أليم بسبب فقدانها أحسن اللاعبين عندها وفشلت جميع المساعي لإرجاعهم . لم يلتفت صالح إلي الدراسة في مدرسته الجديدة، كما كانت الحال في المدرسة القديمة إذ أنه لم يحضر طول العام إلا حصة واحدة في الرياضة ولكنه كان يذهب إلي المدرسة قبل المباريات فقط . الفانلة الحمراء لم يكن " استروبيا " ذلك الهدف الذي أحرزه صالح في مرمى طارق على رمال الشاطىء عندما أفلتت الكرة من يده لتحطم الصندوق الزجاجي من على رأس عم بائع الفريسكا، ومهما يكن من أمر فإن هذا الهدف قد أثار من الجدل ما هو كفيل بإزعاج أمة بأسرها . الأشبال : كانت مباريات الأشبال تقام عادة قبل مباريات الفرق الكبيرة، وكان بعض المسئولين لا سيما سكرتير الكرة المرحوم مختار التيتش يذهبون مبكرين إلي تلك المباريات لمشاهدة مستوى الأشبال لاختيار من يصلح منهم لتمثيل الفريق الأبيض أو الأحمر . وفي خلال موسم 48/1949 قرر التيتش أن يشترك صالح سليم في بعض مباريات الفريق الأحمر، وعندما ارتدى صالح الفانلة الحمراء لأول مرة أمام النادي المصري ولعب جناحاً أيسر كان يعلم أن الطريق ما زال طويلا أمامه وأن الفانلة الحمراء لم تتاح له إلا لتشجيعه بين حين وآخر حتى يثبت مزيداً من التفوق في مكانه بين الأشبال . وكان صالح قد اكتسب خبرة لا بأس بها من كثرة احتكاكه على مستوى المدارس، وأصبح أسمه يتردد بين طلاب الثانوي .بل واستطاع أن يكسب عشاقاً لفنه في هذه السن الصغيرة إلي درجة أن الجمهور كان يهرع إلي الملعب لمشاهدة سداسيات كلية الزراعة في الأيام التي يلعب فيها صالح بالذات ومضى يثبت أقدامه يوماً بعد يوم إلي أن وقع عليه الاختيار ليلعب باسم مصر في منتخب تحت 24 سنة الذي تشترك به مصر في دورة البحر المتوسط ولعب لأول مرة مباراة تركيا التي فزنا فيها 3/1 على أرض النادي الأهلي وكان يشغل مركز قلب الهجوم المتقدم . كان الفريق الأحمر في ذلك الوقت يضم فطاحل الكرة وهنا يقول صالح أن أسماء هذا الجيل من اللاعبين لازالت عالقة في ذاكرة الجمهور بدرجة أكبر من ذكريات الجيل الذي خلفه . كان خط الهجوم مكوناً من : حسين مدكور فؤاد صدقي وأحمد مكاوي ولهيطة وتوتو والجندي. |
![]() |
| وعبد اللطيف تامر . وكان الدفاع يضم " على زيور، وأبوحباحبة، وحلمي أبوالمعاطيظن ووديع، وهمامي، وحمدي، وشطارة، وكمال، وطه مدكور . وكان المدرب الحاج لبيب ينظر إلي صالح على أنه لاعب صغير يستحق فرصة الاحتكاك باللاعبين الكبار . أما صالح نفسه فكان يعتبر زملاءه في الفريق الأحمر بمثابة أساتذة والواقع أن وجود صالح مع هؤلاء اللاعبين الكبار قد أفاده من الناحية الفنية إلي أبعد حد فضلاً عن أنه كان يتيح له مراقبة المثل الحي على الجمع بين اللياقة البدنية والمهارات الفردية وبراعة تبادل المراكز واللعب في المجموعة . ولعل المستوى الرفيع لجميع لاعبي خط الهجوم الذين لعب بينهم صالح دفعه إلي التركيز على رفع مستواه ومحاولة التشبه بهم وجنب النادي الأهلي المشكلة الحساسة التي تطرأ عندما يطمع اللاعب الناشىء في احتلال مكان أحد أفراد الفريق الأصلي، فهذه الخلافات تضر روح الفريق ومصلحته . ويقول صالح إنه لم يكن له في يوم من الأيام مثلا أعلى في هيئة لاعب معين مصرياً كان أو أجنبياً يتمنى أن يصبح مثله، وبالرغم من هذا فإنه لا ينكر أنه كان يحاول أن يقلد كثيراً من اللاعبين وأن يقتبس أحسن ألعابهم . كما كان يتابع المباريات بكل ما لديه من تركيز لكي يتذكر ما يعجبه من ألعاب، ويحاول أن ينفذها في التمرين . ومن اللمحات التي أعبد بها صالح تصرف أبوحباجة في إحدى المباريات لمنتخب مصر . كانت الكرة متجهة إلي ساعد الهجوم الأيسر وكان أبوحباجة بجانبه ولم يحاول أن يشترك معه بل تركه وجرى إلي ساعد الهجوم الأيمن وفي هذه اللحظة لعب الساعد الأيسر الكرة إلي الساعد الأيمن فقطعها أبوحباجة ولو كان ساعد الهجوم الأيسر تصرف بطريقة أخرى لأًصبح في مواجهة الشبكة . ومثل هذه اللعبة من أبوحباجة تدل على قدرة اللاعب الممتاز على التنبؤ بسير اللعب وعلى تمكنه من الحكم على التمريرات قبل أن تحدث ويسيطر قائلاً إن الفرصة التي اتيحت له لتعلم أصول اللعبة في مدرسة الأهلي ليست متاحة للأشبال في هذه الأيام إلا بالقدر القليل لأنهم مع الأسف لا يجدون في المباريات ألعاباً كثيرة تستحق التقليد . وقد كانت الفرق في الماضي يتكون معظمها من نخبة من اللاعبين الممتازين يمكن لأي شبل أن يستفيد من خبرتهم ويتعلم منهم، فمثلا كان الفريق يتكون من سبعة أو ثمانية لاعبين ممتازين موهوبين وثلاثة أو أربعة لاعبين ذوي مستوى متوسط أما الآن فالعكس هو الصحيح فلذلك نجد أن فرصة الأشبال قد تضاءلت في الاستفادة والأخذ من غيرهم . |
![]() |
خطط الأهلي : لم يلحق صالح طريقة قلب الدفاع المتقدم، فعندما أشترك في مباريات الفانلة الحمراء كانت طريقة الظهير الثالث قد دخلت مصر عن طريق " المستر كين " الإنجليزي، ولكن المرحوم مختار التيتش لم يفته أن يشرح للاعبين لماذا تطور التكتيك الي الظهير الثالث . ويقول صالح : حقيقة أن تقدم قلب الدفاع وراء خط الهجوم يشكل خطورة كبيرة على مرمى الخصم ومن شأنه أن يؤدي الي إحراز إصابات كثيرة ولكن بمجرد ارتداد الهجمة فإن الفريق الآخر يكون في موقف أحسن بكثير عندما يجد خمسة من مهاجميه أنفسهم أمام أربعة في خط الدفاع لأن هذا يعني أن اللاعب رقم 9 أو قلب الهجوم المتقدم يكون خالياً من مراقبة قلب الدفاع فتكون النتيجة أن يحرز الخصم أيضاً عدداً كبيراً من الأهداف . أما بالنسبة لمفكري كرة القدم ولا سيما في الأندية التي لا تملك مهارات فردية ممتازة تتيح لأربعة من مدافعيها التغلب على خمسة مهاجمين فإنهم فكروا في إرجاع قلب الدفاع ليراقب قلب الهجوم المتقدم وليحتل مكان ظهير ثالث . وإن كانت هذه الخطة قد نجحت في إحباط فاعلية هجوم الخصم وقادت نادي الأرسنال الإنجليزي الذي ابتكرها الي بطولة الدوري إلا أن هذا الدفاع جاء على حساب خط الهجوم الذي حرم من الكرات التي كان يمونه بها قلب الدفاع المتقدم وكانت محصلة هذين العاملين انخفاضاً عاماً في عدد الأهداف التي تسجل في المباريات وبالتالي الإقلال من متعة الجمهور . |
![]() |
| وجاءت المجر بتكتيكها الهجومي لتلحق الهزيمة بالظهير الثالث، واعتمدت في ذلك على تأخير قلب الهجوم 9 وإطلاق ساعدي الهجوم الي الأمام كرأسي حربتين، مما أربك الظهير الثالث الذي احتار بين مراقبة اللاعبين 8 ، 10 بدلاً من لاعب واحد 9 في طريقة قلب الهجوم المتقدم . وحمل النجاح الساحق لطريقة قلب الهجوم المتأخر أكثر من معنى بالنسبة لمدرسة كرة القدم الإنجليزية التي ابتدعت اللعبة ووضعت قوانينها، وإذ كانت صدمة كبيرة أن ينهار دفاعها علي وجه لم يسبق له مثيل وأن يسقيه هجوم المجر على أرضه جرعة كبيرة من الأهداف وبالنسبة لمفكري الكرة في العالم كان هذا يعني تكتيكاً هجومياً جديداً لا تقتصر فائدته على النتائج التي تعود من تطبيقه أنه أصبح مصدراً من مصادر الإلهام لابتكار الخطط المختلفة التي توالي ظهورها بعد ذلك أما بالنسبة للجمهور فقد انقلب المشهد الي سيطرة أكثر من قبل الهجوم ومتعة أشد بمزيد من الأهداف . |
![]() |
| وطريقة 4/2/4 التي ابتدعتها البرازيل جاءت وليدة الحاجة الي إحباط فاعلية الهجوم بطريقة قلب الهجوم المتأخر وأساسها أن يراقب أربعة من خط الدفاع اللاعبين 7 ، 8 ، 10 ، 11 بينما يتولى لاعباً خط الوسط مهمة شل حركة قلب الهجوم المتأخر 9 وقطع تمريراته واستخلاص الكرات منه والاندفاع وراء خط الهجوم لقيادة الهجمات . |
![]() |
الخطط الفرعية : وبجانب الخطوط العريضة للعب يوجد كثير من الخطط الفرعية التي يجب على كل فريق أن ينفذها والوحيد الذي كان يبتكر مثلهذه الحيل هو المرحوم مختار التيتش . والمقصود بالخطة الفرعية هو أن يتمرن ثلاثة أو أربعة لاعبين على سلسلة من التنقلات وتبادل المراكز للوصول الي الهدف مثل هذه الحيل إذا كررها اللاعبون ثلاث أو أربع مرات في المباراة لابد أن تنتهي بأكثر من هدف، والصعوبة في تنفيذ مثل هذه الخطط تكمن في تصرف الخصم الذي ربما يفكر بطريقة مختلفة . فمثلاً إذا كانت الخطة الفرعية تعتمد على أن أحد الخصوم سوف يتجه الي المكان البديهي المناسب للتغطية فإنه في بعض الأحيان يفكر الخصم بطريقة أخرى ولا يذهب للتغطية مما يجعله في مركز يسمح له بإفساد التنقلات المرسومة . وربما كان هذا هو السبب في رواج الفكرة التي تقول أن الأندية القوية لا تستطيع أن تستعرض مستواها في مبارياتها مع الفرق الضعيفة ولعل الاختلاف في الخطط الفرعية وتنوعها يعتبر المقياس لأفكار المدرب بل وهي التي تكون العناصر الأساسية التي تتألف منها شخصية الفريق وأسلوب مدرسة كرة القدم في النادي . والمفروض أن المتفرج الواعي يستطيع أن يتعرف على النادي الذي يلعب من طريقة لعبه وأن يكون الفرق بين كل نادي وآخر واضحاً في اختلاف الخطط الفرعية ولكن للأسف نجد المباريات هذه الأيام لا تختلف كثيراً في الأسلوب الذي يجرى عليه اللعب ولا يفترق ناد عن آخر سوى في لون الملابس وأسماء اللاعبين وذلك مرده الوحيد الي افتقار في التكتيكات الفرعية . وأذكر أنه في أحد السنين استطاع فريق الأهلي أن يحرز هدفاً في أول دقيقة من المباراة وذلك خلال ثلاث مباريات متتالية بفضل حيلة ابتكرها لنا المرحوم مختار التيتش . سلم الشهرة : كثير من المباريات التي ارتدى فيها صالح الفانلة الحمراء كان يجلس أثناءها خلف الجول كلاعب احتياطي يتطلع الي الجماهير متمنياً ذلك اليوم الذي سوف ينال فيه إعجابها . وجاء يوم مباراة منتخب النادي الأهلي ونادي السكة الحديد مع فريق " فيرست فينا " النمساوي ورأي التيتش أن حالة صالح جيدة وتسمح له بفرصة الاشتراك في المنتخب . وفي هذه المباراة تألق صالح واستطاع أن ينتزع أسمه من حناجر الجماهير، وتعتبر هذه المباراة نقطة انطلاق في حياة صالح سليم حيث استطاع أن يبرهن على أنه جدير بالفانلة الحمراء . وجاء الوصف في جريدة يرجع تاريخها الي يوم بعد المباراة كما يلي :ابتدأت المباراة بهجوم من الفريق المصري قابلة النمساويون بيقظة وانتباه وسارت الكرة بين أرجل المصريين برميات مضبوطة واشتد ضغطهم على دفاع النمسا مدة من الزمن، فكانت الكرة تصل الي الجندي فيحولها الي مكاوي الجناح الأيمن ثم يردها إليه مرة أخرى بسرعة جعلت دفاع النمسا يرتبك من هذه التشكيلات، وهكذا كانت هذه الجهة ( الجندي ومكاوي ) خطراً يهدد دفاع النمسا لتفاهم الاثنين وحسن تكتيكهما وبعد 12 دقيقة من ابتداء المباراة جاءت الكرة الي سيد عثمان فحولها الي الجندي وهذا أرسلها بينيه جميلة الي صالح سليم فعدلها على قدمه وصوبها في شباك النمساويين فكانت مفاجأة . وتقدم الفريق المصري 1/ صفر. |
![]() |
| واستمر الفريق المصري يهجم بشدة وسرعان ما وجد الفريق النمساوي أمامه خط هجوم منظم أتعب دفاعهم فقد جاءت الكرة الي مكاوي في الجناح الأيمن الي الجندي ومنه الي صالح سليم وكانوا في وسط الملعب فأخذها صالح وأخذ يجرى بها بمفرده فلحقه ظهير النمسا ولكنه تمكن من مراوغته وتمرير الكرة إلي اتجاه آخر واللحاق بها من خلف الظهير وانفرد بحارس مرمى النمسا وسجل الإصابة الثانية للقاهرة وسط عاصفة من التصفيق الشديد وقد كان صالح سليم موفقاً جداً في هذه الحركة التي دلت على ضبط أعصابه وتفكير (سليم) هنا حار فريق النمسا وعز عليهم أن يهزموا من أول مباراة لهم في مصر فنظموا صفوفهم وأخذوا يرسلون الكرات الطويلة بعدما غيروا طريقتهم الضيقة فنجحوا وكانوا يصلون الي المرمى المصري متخطين الدفاع فتمكنوا من إصابة الهدف الأول بعد 25 دقيقة من الشوط الثاني ثم الهدف الثاني بعدها بخمس دقائق وأصبحوا في موقف الند للند وصاروا يعملون للفوز بعد التعادل وذلك نتيجة ما بذله الفريق المصري من مجهود في الشوط الأول ثم نشوة الانتصار بإصابتين ونسوا أن الفرص كفيلة بتغيير النتائج وهكذا انتهت المباراة . |
![]() |
واستمرت المباريات التي أجاد فيها صالح منها مباراة الأهلي والزمالك النهائية على كأس مصر التي أقيمت على أرض اتحاد القوات المسلحة سنة 1953 ويومها كتبت الجرائد أن إيراد المباراة قد حقق مبلغاً كبيراً هو 1988 جنيهاً و 260 مليماً وحضرها رقم قياسي من المتفرجين يربو على 12 ألف متفرج وأن أحداً من الجمهور لم يندم على قرش أو وقت أو جهد صرفه لمشاهدتها .... وكان هذا دليلا على أن الاحتراف محتمل وأن الجمهور قادر على تمويله وإنعاشه عندما تقدم له مباريات قوية يختلف على نتيجتها ويصبوالمتعة التكهن بها . فقد كانت مباراة حامية في بادىء الأمر وكفة الفريقين متعادلة حتى سدد أبو حسين من الزمالك كرة لم ينتبه لها عبد الجليل حارس مرمى الأهلي فمرت بجانبه داخل المرمى وكان يظن أنها سوف تخرج بجوار القائم وبكى عبد الجليل متحسراً وأخذ يكن (ظهير الأهلي في ذلك الوقت) يعاتبه على تلك الإصابة التي لم تخطر لهما على بال . واستؤنف اللعب حتى أصاب مكاوي للأهلي من خطأ مماثل من حارس مرمى الزمالك محمد عبد الله وزادت بهجة اللعب واشتدت حرارته وما هي إلا خمس دقائق حتى عاد صالح سليم الي إصابة مرمى الزمالك وبرز تفوق الأهلي وجاء الشوط الثاني فأفلح صالح في إصابة مرمى الزمالك للمرة الثالثة بعد خمس دقائق فقط وبدأ اللعب الخشن فأصيب عبد الوهاب سليم أصغر لاعبي الفريقين الذي تمكن أن يثأر لنفسه ويصيب مرمى الزمالك للمرة الرابعة والأخيرة قبيل نهاية المباراة بثلاث دقائق . وكتبت الأهرام غداة المباراة : " وحين نذكر أن الأهلي انتصر بتكتيكه وروح فريقه العالية لابد أن نذكر نجومه التي لمعت في سماء الملعب فنذكر مكاوي وصالح سليم ومدكور في الهجوم ونذكر عبد الوهاب سليم وزكي الصغير في خط الدفاع ويكن وسيد عثمان وعبد الجليل في الظهر والحراسة . وكان حلمي أبو المعاطي نجم المباراة فقد لعب في كل مركز وكنت تجده أينما ذهبت الكرة وأنقذ مرماه من إصابات محققة ". السفر الي إنجلترا : سافر صالح الي إنجلترا وترك مدرسته وناديه وأصدقاؤه ولكنه لم يترك الكرة وكان طالما سمع عن معقل كرة القدم وطالما شغلته القصص التي تروى عن الأندية الكبيرة هناك والمستوى الخيالي الذي بلغه اللاعبون في هذه البلاد . والتحق صالح بإحدى المدارس في بلدة برايتون وتعرف على زميل له هو طالب إيراني الجنسية أمضى مدة كبيرة في هذه البلدة . وبطبيعة الحال سأله صالح عن الكرة وأبدى رغبة في الاشتراك في أحد الأندية لكي يستطيع أن يمارس هوايته بانتظام . ولم يكن الزميل الإيراني مهتماً بالكرة ولكنه عرض على صالح أن يأخذه الي النادي الذي يتردد عليه وهو جمعية الشبان المسيحيين . ذهب صالح الي النادي وتعرف على المدرب ومدير الفريق وخشية أن يظهر بمظهر غير لائق الي جانب اللاعبين الإنجليز لم يقل لهم إنه نجم كرة في بلده وأنه يلعب لأكبر أنديتها ولم يذكر أنه مثل مصر في دورة البحر الأبيض المتوسط . فاقترح عليه المدرب أن يلعب مع فريق الصف الثاني في مباراته القادمة فوافق صالح وبدأ يذهب الي النادي يومياً للتمرين . لم يوقع صالح لأي ناد في برايتون وكان شوقه قد ازداد للذهاب الي لندن حيث مكث بضعة أشهر لم يلعب خلالها الكرة واكتفى بالفرجة على عديد من المباريات ولما عاد لقضاء العطلة الصيفية مع أسرته في مصر ظهرت نتيجة الامتحان ولم تكن لتختلف كثيراً عن السنة السابقة وقرر صالح أن يعرض عن دراسة الهندسة اقتنع بأنه من الأفضل إلا يرجع الي انجلترا . قلب الهجوم المتأخر ظل صالح سليم يقاوم إلحاح الجماهير والإداريين ليعود الي الملعب وينتظم في التدريب بسبب خلافات كانت قد حدثت في ذلك الوقت .وطالما كلمه فريتز مدرب النادي الأهلي وقتها عن حاجته لوجوده بين لاعبي الفريق وحدثه عن طريقة جديدة هي طريقة قلب الهجوم المتأخر التي ينوي أن يغزو بها الدوري وأكد لصالح أن اللعب بهذه الطريقة الجديدة سوف يمكنه من سحق جميع الأندية المنافسة ولكن صالح لم يلتفت الي كلامه في بادىء الأمر حتى جاء اليوم الذي أضطر فيه الي تلبية طلب المسئولين عن فريق مصر الدولي بالاشتراك في إحدى المباريات الدولية . وبعد عشر دقائق من بداية المباراة وقبل أن تصل الكرة الي صالح استبدله الإداريون وهنا لم ينتظر صالح أن يأتيه فريتز ولكنه توجه إليه فوراً يقول " أنا تحت أمرك وتحت أمر النادي الأهلي، إن هؤلاء الناس سوف يعرفون أن صالح سليم الذي ألعبوه بناء على رغبة الجمهور سوف يلعب رغماً عن أنوفهم مرات ومرات ". وعاد صالح الي المران على الطريقة الجديدة وكان ينفق الساعات يناقش المدرب ويجادله حتى أتقن صالح اللعب بهذه الطريقة التي أحدثت انقلاباً في عالم الكرة، وتحقق كلام المدرب النمساوي فريتز، واكتسح النادي الأهلي الأندية الأخرى في جميع المباريات بكمية كبيرة من الأهداف . |
![]() |
![]() |
وعاد صالح سليم الي الملعب لا ليبدأ تسلق السلم من حيث توقف، لكن ليرقص الباليه ويتراقص اسمه على شفاه الجمهور وتتراقص لمحاته بين قمم الروعة والإبداع وكان فريق النادي الأهلي في ذلك الوقت مكوناً من سيد صالح وصالح سليم والجوهري وتوتو والشربيني ومراد نديم ووجيه وعادل هيكل وعبد الوهاب سليم وطلعت ورضا ورفعت وطه وطارق وزايد والضظوي وشريف الجندي وسليمان فارس وعبد الجليل رئيس الفريق وكابتن فريق مصر الدولي في نفس الوقت وعندما اعتزل عبد الجليل أصبح صالح رئيساً لفريق النادي الأهلي ولفريق مصر الدولي . لماذا نجح الكابتن صالح : لقد بلغت كرة القدم اليوم مرحلة تعتبر جماعية اللعب من عناصرها الرئيسية ومع تزايد الحاجة الي أن يفكر اللاعبون سوياً أصبح الذي يفكر أسرع يملك فرصة أكبر . فمثلاً كان المهاجم الممتاز هو الذي يتمتع بمهارة فردية تمكنه من محاورة خصم أو أكثر وسبقه بمسافة كافية ليودع الكرة في قلب المرمى . وإذا كان هذا لا يحدث كثيراً هذه الأيام فذلك لأن مدافعي اليوم لا يعتمدون على اللعب الفردي والارتجالي بل يتبعون خططاً إستراتجية مرسومة والسبيل الوحيد الي قهرهم لا يكون إلا بواسطة مجموعة من المهاجمين يتحركون وفقاً لخطة معينة من أجل اختراق خطوط الدفاع . ومع تطور اللعبة بدأ شعار " كل واحد يمسك واحد " الذي كان في وقت ما القاعدة الذهبية للدفاع يذوب ويتضاءل بجانب التكتيكات الحديثة في الهجوم وفي الدفاع على السواء .إنه يمكن عمل العديد من الخطط خارج الملعب قبل المباراة ولكنها دائماً عرضة لمواجهة الصعوبات عند التنفيذ وعلى هذا فلابد من التصرف وتغيير الطريقة إذا لزم الأمر واتخاذ مثل هذه القرارات غالباً ما يتم أثناء اللعب وعلى حسب ظروفه . |
![]() |
ومن هنا نشأت الحاجة الي وجود رئيس للفريق لديه الكثير من الخبرة والمعرفة التي تأتي عن طريق كثرة المباريات ولهذا السبب جرى العرف على أن يكون رئيس الفريق هو أقدم لاعب في النادي فكلما مارس الإنسان اللعبة كلما تعلم وبالتالي تزداد كمية المعلومات والتوجيهات التي يمكن أن ينقلها الي باقي أفراد الفريق أن كابتن الفريق ليس لقباً فخرياً أو شرفياً بل يعنى أكثر من مجرد الدخول الي أرض الملعب على رأس اللاعبين ومصافحة الحكام والاشتراك في القرعة إنما مهمته الرئيسية قيادة الفريق وتنفيذ الخطة وتعليمات المدرب داخل الملعب ولذا فهو يتمتع بالنفوذ وحرية التصرف التي تسمح له أن يحدث تعديلات سواء في مراكز اللاعبين أو في الخطة أثناء اللعب . مثلاً إذا أصيب أحد اللاعبين فإنه من واجب الكابتن اليقظ أن يتخذ قراراً بالتشكيل الجديد والتعديلات التي ينبغي أن تطرأ على الخطة . هذا القرار يبنى على تقدير مكمن خطورة ونقط ضعف الفريق الخصم وعلى تعرف عميق لإمكانية كل فرد من زملائه ومدى مرونته في شغل المراكز المختلفة في الخطط المختلفة . ومن ثم فلابد له أن يكون قد اكتسب خبرة تجعله أقدر شخص في الحكم على سير المباراة والتحكم فيها، والكابتن الذي لا يستطيع أن ينفذ بنفسه الخطط أو الألعاب التي يطالب بها سائر زملائه يفقد قطعاً جزءاً من اقتناع اللاعبين بها كما أنه لا يحظى بالكثير من الاحترام ويستحسن أن يجيد رئيس الفريق تنفيذ ما يطلبه من اللاعبين . |
![]() |
| والي جانب القدرة على اتخاذ القرارات التكتيكية الصائبة والسريعة فإن شخصية الكابتن لها دخل كبير في مدى التوفيق الذي يمكن أن يصادفه أثناء المباراة وليس مبالغة أن نقول أن الكابتن الناجح هو الذي يجعل كل فرد من زملائه يلعب أحسن قليلاً من مستواه لذلك يجب على رئيس الفريق أن يستحوذ على احترام زملائه من أجل أن يرفع من روحهم في المباريات العصبية مما يرجح كفتهم وأن يحتفظ لهم بمعنوية عالية تبقى على الانتصار . ويقول كثير من لاعبي الأهلي أن مجرد وجود صالح في الملعب كان يعطيهم ثقة لا نهاية لها في الفوز الي الحد الذي دفع المدرب الي إشراك صالح في بعض المباريات رغم إصابته وعدم لياقته ولم يكن ينتظر منه شيئاً سوى أن يتولى مهمة قيادة الفريق . |
![]() |
ولعل التفاهم العميق بين الكابتن وبين اللاعبين الذي يتكون وينمو باللعب سوياً لفترة طويلة يشكل ركناً أساسياً من أركان النجاح في كرة القدم اليوم . ويقول صالح أن علاقته بزملائه اللاعبين هي أكثر من التسامر بعد التمرين بالنادي أو أثناء السفريات للعب خارج القاهرة ولكن صداقته بهم تمتد إلي واقع الحياة فهم يساعدون بعضهم في مجابهة الظروف العصبية والشدائد التي تمر بهم . أن الزمالة في الملعب أقوى من الزمالة في أي عمل أو وظيفة، واعتقد أن هذه نعمة تتمتع بها في اللعبات الجماعية حيث تنمو بين أفراد الفريق أخوة متينة وحب كبير أكثر من الألعاب الفردية . بعض الذكريات : الصفحات التالية مجموعة من الحكايات والصور نستعرض فيها بعض ذكريات النادي الأهلي وقلب الهجوم المتأخر صالح سليم . ومصادر هذه الحكايات والصور كثيرة إلي درجة أنه يتعذر علينا حصرها ولعل استمتاع القارىء بهذه الأقاصيص يكون بمثابة شكر لهذا المصادر . الأهلي والاتحاد : حدث في التمرين الذي سبق هذه المباريات أن كانت أرض النادي الأهلي مبتلة بعض الشىء ووصلت صالح من ناحية الجناح الأيمن تمريرتان جميلتان وفي كل مرة كانت قدمه تنزلق وهو يسكن الكرة الشباك . وفي مباراة الاتحاد الذي كان متقدماً 2/1 وكان المباراة قد اقتربت من نهايتها اختل توازن صالح بينما تصله تمريرة من نفس المكان وفي أثناء وقوعه على الأرض تذكر ما حدث في التمرين فصوب الكرة صاروخاً بيمناه لتستقر إلي يمين خميس وليتعادل الأهلي وبذلك فتح الباب أمام لجوهري ليسجل هدف الفوز . |
![]() |
![]() |
الأهلي والقناة : ومن أكبر المظاهرات الرياضية التي خرجت تعبر عن فرحة جمهور الأهلي تلك التي خرجت يوم انتزع الكأس من نادي القناة الذي كان قد شق طريقه سريعاً ليدخل نهائي كأس مصر ويحدوه أمل كبير في الانتصار وبفضل التوزيعات المدروسة لقلب الهجوم صالح سليم استطاع الأهلي أن يسيطر على المباراة ويفوز بخمسة أهداف للاشىء استهلها المايسترو في الشوط الأول . ويومها تأكد لمشجعي الأهلي خاصة وجمهور كرة القدم عامة أن جمع الأهلي بين بطولة الدوري والكأس سببه أن الطريقة التي ينهجها هذا النادي سواء في إعداد الفريق وتكوينه أو رسم الخطة التي يتبعها ثم تنفيذها تستحق التهنئة والتقدير . |
![]() |
الأهلي والترسانة : كتبت الصحف أن النادي الأهلي قد تعرض لكارثتين في موسم 1962: إصابة صالح سليم راسم الخطط والعقل المفكر، والهزيمة الكبرى من الترسانة 5/1 بعد مباراة استحقت الترسانة أن تفوز بها قبل وبعد حرمان الأهلي من صالح سليم . أًصيب صالح بشرخ في قدمه عندما اصطدم مع فؤاد جوده وهو يمرر الكرة إلي عوضين ورغم ذلك أحرز هدف الأهلي من ضربة جزاء وقدمه مصابة . وتكتم صالح الأمر بين الشوطين ولم يرض أن يترك الملعب وعندما قفز أمام مرمى الترسانة في الشوط الثاني نزل على قدمه فتحول الشرح إلي كسر وكانت هذه أول مرة يخرج فيها من الملعب مصاباً يحمله رجال الإسعاف، سجلت الترسانة الأهداف المتتالية وفازت 5/1. وقد كان الأهلي غير موفق ذلك الموسم وكانت هذه المباراة بداية التفكك الذي ظل يلاحقه حتى الآن . وبعد هذا بأيام كان اللقاء الثاني بين الناديين ولكن في مسابقة الكأس وعلى الرغم من تغيب صالح وطلعت، صمم الأهلي على الثأر بأي شكل وأعاد تنظيم صفوفه ولكن كانت الهزيمة الثانية من الترسانة في ظروف ثمانية أيام , وخرج الأهلي من الكأس في الدور الأول لأول مرة في تاريخ هذه المسابقة . وفي ذلك اليوم لعب بدوي عبد الفتاح ودرجة حرارته 39 واستطاع أن يسجل هدفين للترسانة وأحدث الشاذلي دربكة في صفوف دفاع الأهلي في الشوط الثاني وفتح الثغرات ليسجل هدفاً لفريقه وخرجت الترسانة فائزة 4/ صفر بعد أن أخطأ ميمي عبد الحميد وأحرز هدفاً أخيراً في مرماه . وقد استحقت الترسانة التهنئة في هذه المباراة وقابل مشجعو الأهلي هذه الهزيمة بحزن عميق . وللأهلي والترسانة لقاءات تاريخية وذكريات مثيرة . كتب أحمد مكاوي : |
![]() |
|
![]() |
المباريات الحساسة : لا شك أن مدى ثبات أعصاب اللاعبين له أكبر الأثر في نتائج المباريات وفي المستوى الذي تجرى عليه وما نراه من اختلاف في المستوى بين مباريات الدوري ومباريات الكأس والمباريات الحبية يدل على مدى تذبذب أعصاب الفريق مع أهمية المباراة . ويعلق صالح على ذلك بأن المنطق يقول إن الفريق ينزل إلي الملعب وقد عقد العزم على أن يكسب المباراة ويحرز أكثر ما يمكن من الأهداف وعلى أن لا يصيب مرماه سوى أقل ما يمكن من الإصابات، ومن ثم فإنه ينبغي أن تكون المباراة محاولات لتنفيذ خطط وأفكار تمثل أسلوب الفريق في التحرك نحو هذه الغاية، وبصرف النظر عن نوع المسابقة أو الأهمية التاريخية للمباراة .وعلى قدر بساطة هذا المنطق ووضوحه واقتناع جميع اللاعبين به فإنه عند التنفيذ يلاقى صعوبات كثيرة على حسب الحالة النفسية للاعبين . وتلعب حالة اللاعب النفسية في الملعب وظروف اللاعب نفسه دورا كبيراً في سير المباراة وطريقة أدائها وقليلون هم الذين يحتفظون بمستواهم ثابتاً أو متقارباً تجاه اختلاف أنواع المباريات وظروفها . فأحياناً يزداد الضغط العصبي والتوتر لدرجة أكثر مما تحتمله أعصاب اللاعب وتكوين شخصيته فنجد أن مسلكهم في الملعب وفي التصرف بالكرة يتأثر بظروف المباراة وبهتاف وتعليق الجمهور مما يطغى على تتبعه لخطة مرسومة معينة . وهذا الارتباك النفسي للاعبين قد يدفعهم إلي السلبية في اللعب، فأحياناً نجد أن الفريقين يلعبان في حالة توتر وكل منهما ينتظر الخطأ من الفريق الآخر ليحرز هدفاً بدلاً من ضرب الحصار وتحريك اللعب من اجل الفوز بطريقة إيجابية وفي المباريات التي نلعبها في الخارج تكون الظروف التي تمر بها صعبة لعدة أسباب، منها اختلاف الظروف الجوية، وأهمية المباراة الدولية من حيث أنها تلعب على بطولة ذات أهمية أو مباراة دورية أو مباراة حبية دولية .. وأيضاً من تلك العوامل أننا نلعب أمام جمهور الفريق المنافس الذي لا يكف عن تشجيعه والضغط النفسي علينا بالهتافات، هذه العوامل قد تؤثر على اللاعبين فيعتريهم الإضراب واليأس وأن هذا لا يحدث فقط بالنسبة للمباريات التي تقام في الخارج بل كثيراً ما يختلف أداء اللاعب حين يلعب الفريق الآخر ولو كان من نفس المحافظة لمجرد أنه خرج عن أرضه . ومن هنا يأتي ما يسمى باللاعب المحلي، وهو ذلك الذي يتأثر بالعوامل السابقة، أما اللاعب الدولي فهو الذي لا يتذبذب مستواه كثيراً كنتيجة لتلك العوامل . ومقاومة هذا الشعور يأتي مع التجربة والتدريب على ضبط النفس وعدم الاكتراث بالجمهور . |
واللاعب الدولي ليس فقط من صفاته الامتياز في اللعب، ولكن أيضاً يجب أن يكون عنده قدر كبير من الثقة بالنفس فلا ييأس إذا ظهر امتياز الفريق المضاد على فريقه في اللعب أو إذا أصيب مرماه بهدف مبكر، ويجب أن يتمتع بقدر كبير من القدرة على ضبط النفس وهدوء الأعصاب، ويجب أولاً وأخيراً أن يكون على درجة عالية من قوة الخلق بحيث لا ينحرف نتيجة وجوده في جو يغريه بالانحراف وما أكثر ما يكون ذلك متيسراً حين نسافر لنلعب بالخارج . وأخيراً يجب أن يختار اللاعب الدولي بحيث يكون على قدر من الذكاء ومرونة التفكير تسمح له بالتأقلم السريع ومواجهة طريقة لعب خصمه الذي قد يتمتع أفراده بخبرات وقدرات لم يسبق معرفتها . |
![]() |
الأهلي والسكة : |
إذا ذكرنا اسم صالح يتبادر إلي ذهننا المهاجم الذي يعرف أقصر طريق إلي المرمى أو صانع الأهداف الذي يرسل التمريرات المفاجئة، ولكن صالح لعب في مراكز دفاعية منها الظهير الثالث مانع الأهداف، وفي مباراة مع السكة وكان سعيد أبو النور قد أصيب في التمرين واضطر الأهلي إلي إشراك صالح سليم مكانه فتمكن من قطع التمريرات قبل أن تصل إلي مكامن الخطورة وكتبت الصحف أن إجادة صالح في هذا المركز يرجع إلي إنه مهاجم محنك يعرف أساليب الخصم ولكن الحقيقة أن صالح كان قد تدرب فعلاً على هذا المركز لفترة ما تحت إشراف أبو حباجة ويقول صالح إن أسوأ هزيمة تجرعها الأهلي كانت على يد السكة الحديد عندما هزمتنا 6/ صفر وكانت ظروف هذه المباراة " كروته في كروته " بالنسبة لنا ولم ندر إلا والأهداف تتساقط علينا من كل مكان وتصيب أعصابنا وتفكيرنا بشلل عجيب . |
![]() |
الأهلي والمصري : |
جاءت مباراة الأهلي والمصري بعد أن رجع الضظوي إلي ناديه القديم في بورسعيد وكانت المباراة مشحونة بالإثارة والمفاجآت كانت المنافسة شديدة بين الضظوى وصالح سليم، الضظوي يريد أن يثبت أنه ما زال مكمن الخطورة في أي فريق، وصالح يريد أن يؤكد أنه المايسترو، وظلت النتيجة 1/1 حتى الدقيقة 89 من المباراة عندما مرر الشربيني الكرة إلي عزت أبو الروس في منتصف الملعب فلعبها طويلة إلي الجوهري في أقصى اليمين الذي رفعها في الوسط لينقض عليها صالح ويغرسها برأسه بين الشباك محرزاً هدفاً رائعاً قبل انتهاء المباراة بدقيقة واحدة كتبت عنه الجرائد أنه أجمل أهداف الموسم، وكان صالح قد أحرز الهدف الأول لناديه . وفي ذلك الموسم اشتهر الأهلي بأنه لا يفوز إلا في الدقائق الأخيرة من المباريات وأنه يحتكر الشوط الثاني . ويقول صالح إن الفوز في آخر دقيقة من المباراة ألذ من السيطرة عليها منذ البداية لأن ذلك يعنى أن المباراة كانت حامية الوطيس وتمثل نوعاً من التكافؤ بين الفريقين يدفع كل منهما على بذل أحسن ما عنده وعندما نحرز هدف الفوز بعد تعب كبير يشعر اللاعب وكأنه ولد من جديد . لذة إحراز الهدف : وإن لإحراز الهدف لذة لا تعادلها لذة بالنسبة للاعب الكرة، فالمباراة تجري والجهاد يدور أولاً وأخيراً من أجل تسجيل الأهداف، فإذا انتصر فريق وكان يلعب أسوأ من الفريق المنهزم فأن الذي يعلق بالأذهان أن هذا الفريق فاز وذلك هزم . ولذلك يعقب إحراز الهدف ثوان من النشوة والتخدير لا يشعر فيها اللاعب إلا بأسعد الأحاسيس وكأنه تلميذ يقرأ نتيجة نجاحه آخر العام بعد مجهود مضنى ومن أهم العناصر الواجب توافرها في شخصية المهاجم هو أن يكون له إحساس بالفريق كمجموع بخيث يفرح عندما يسجل أي فرد من زملائه تماماً كما لو كان هو الذي أحرز الهدف وإلا صعب الترابط بين خط الهجوم وهي صفة ضرورية بالذات فيمن يشغل مركز قلب الهجوم المتأخر أو صانع الألعاب، ويقول صالح إنه يشعر بلذة حين يصنع هدفاً تضاعف تلك التي يشعر بها حين يسجله والهدف . ورد الفعل على نفسية اللاعب حين يحرز فريقه هدفاً يكاد يعادل الأثر الذي ينجم عن إصابة مرماه ففي كلتا الحالتين يدفعه ذلك إلي التسجيل، فإذا أحرز هدفاً فانه ينتشى ويطمع في المزيد وحين يصاب مرماه فإنه يعقد العزم على إن يعوض ذلك، ولذلك كثيراً ما نجد أن المباريات تشتعل بالحماس بعد تسجيل أحد الطرفين لهدف في مرمى الآخر . |
![]() |
وإن لذة إحراز هدف الفوز تفوق لذة إحراز هدف التعادل وتفوق بطبيعة الحال إحراز هدف لا يغير من نتيجة المباراة . ويقول صالح إن المباراة التي لعبناها ضد اليونان في القاهرة، وأدى عدم توفيق الحكم إلي عدم احتساب هدف سجله الفريق المصري من ضربة جزاء، وغير ذلك من الأشياء التي ضايقته، أنه لم يشعر بلذة كبيرة عندما أحرز هدف التعادل في نهاية المباراة لأن الفريق المصري كان هو الأحسن وكان يستحق فوزاً كبيراً . الأهلي والفرق الأجنبية : لعب النادي الأهلي بقيادة صالح سليم مباريات كثيرة مع فرق أجنبية وإن لم يتمكن من الفوز في كل هذه المباريات إلا أنه كان يظهر دائماً بمظهر مشرف . ومن هذه المباريات نذكر المباراة مع النادي البرازيلي " فلومينز " حيث استمتع الجمهور بفن البرازيل التي فازت على الأهلي 2/1 بعد عرض شيق أحرز فيه صالح سليم نجم الأهلي هدفه الوحيد من رمية ركنية رفعها الشربيني وأودعها صالح برأسه من على بعد عشر ياردات وعندما سئل كاستللو حارس مرمى فلومينز عن هذا الهدف أجاب بأنه كان مفاجأة بالنسبة له لأن صالح كان يقف وظهره في اتجاهه ولكنه دار حول نفسه بأعجوبة وسجل هدفاً مدهشاً . وإن ننسى لا ننسى مباراة العمر التي رفع فيها النادي الأهلي رأس مصر عالياً حينما فاز على نادي بنفيكا بطل أوربا والحائز على كأسها سنتان متتاليتان ولم يكن قد مضى على فوزه على ريال مدريد بخمسة أهداف إلا بضع أسابيع وجاء إلي مصر وانهزم أمام النادي الأهلي وفي هذه المباراة كان صالح سليم في دور النقاهة بعد إصابته في مباراة الترسانة ولكن محمد عبده صالح مدرب النادي الأهلي وقتها أصر على أن يلعب صالح من أجل رفع الروح المعنوية للفريق . |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
الأهلي والزمالك : لا ريب أن مباريات الأهلي والزمالك تلقى اهتماماً شعبياً أكثر من أي مباراة أخرى محلية كانت أو دولية وذلك مرجعه إلي التنافس التقليدي بين الناديين الذي يمتد جذوره إلي سنوات بعيدة منذ نشأة كرة القدم في مصر . ورغم ما نشعر به من عدم رضاء كلما اتخذت هذه المنافسة طابع التحدي والخشونة بين الجمهور وكلما صدرت عن المشجعين تصرفات غير رياضية فانه لا يسعنا إلا الاعتراف بما لهذين الناديين وللمنافسة الشريفة بينهما من فضل على كرة القدم من حيث التوعية بها والتقدم بمستواها في مصر . وقبل التقاء الزمالك والأهلي تطلع علينا الصحف والمجلات بعناوين تعبر عن مدى انشغال الرأي العام بهذه المباراة وتطلع الجماهير إليها مثل : |
![]() |
![]() |
وبعد المباراة تخرج الصحف بوصف مطول تحلل فيه أسباب الهزيمة أو الانتصار ولا تكون عناوينها أقل إثارة، ويصاحب هذه المباريات توتر شديد وتستلزم قدراً كبيراً من ثبات الأعصاب . وفي مباراة 1960 على أرض نادي الزمالك افتتح الزمالك الأهداف وظل طوال الشوط الأول مسيطراً على المباراة وبدأ الشوط الثاني ورأينا الروح تدب في لاعبي الأهلي وقاد المايسترو فريقه بتوزيعاته القاتلة وانقلبت المباراة في صالح الأهلي ليتعادل ثم ليفوز بأربعة أهداف لهدف واحد . وفي مباراة أخرى كان اللعب متكافئاً حتى احتسبت رمية ركنية من فريق الزمالك تصدى لها صبحي تقل وشدد الزمالك حراسة مرماه وتكتل كل من يكن ورفاعي ورأفت وعبده نصحي أمام ألدو، ووثب صالح ليستقبل الكرة المرفوعة في توقيت صحيح لتناسب من رأسه وكأنه نغم خدر دفاع الزمالك ورقصت له الشباك وظل هذا الهدف حديث الناس حتى جاءت تلك المباراة التي كانت مفاجأة الموسم في ذلك الوقت، وكانت آخر مباريات الدوري سنة 1962 ، وكان الموقف كالآتي : الزمالك يسبق الأهلي بفارق نقطة واحدة ويتصدر الدوري ويحتاج فقط للتعادل، وكان أكثر المتفائلين من جمهور الأهلي لا يجرؤ على التنبؤ بالنتيجة لصالح ناديهم ولا حتى بالتعادل وكان الزمالك في أوج لياقته بينما الأهلي يلازمه عدم التوفيق فمنذ أصيب صالح في مباراة الترسانة التي كانت نتيجتها 5/1 لصالح الترسانة ثم هزم في المباراة التالية من الترسانة أيضاً 4/ صفر وكانت أحداهما في الدوري والأخرى في الكأس . وجاءت تنبؤات الجميع بفوز الزمالك، حتى أن لاعبي الزمالك كانوا يصرحون للاعبي الأهلي في جلساتهم بسخرية أنهم سيهزمونهم بأربعة أهداف فقط . |
![]() |
وكانت التعبئة النفسية على أشدها وطلعت الصحف بأخبار المباراة وتضمنت خبراً بأن رفعت الفناجيلي راهن على أنه سوف يحرز في ألدو هدافاً على يساره . كان محمد عبده صالح هو مدرب الأهلي في ذلك الوقت، وفي تلك الظروف الصعبة من إصابة صالح إلي الحالة النفسية السيئة للاعبي الأهلي نتيجة إصابة مرماهم بتسعة أهداف من الترسانة خلال أسبوع واحد، فان محمد عبده صالح كان في حالة لا يحسد عليها فكيف سيكون فريق الأهلي؟ كانت مفاجأة للجميع حين كون الوحش الفريق مشركاً في هذه المباراة الهامة الحساسة ثلاث لاعبين من الأشبال هم ريعو والسايس وعلوي مطر، مع بعض اللاعبين ذوي الخبرة أمثال الفناجيلي والشربيني وطارق وكان يحرس المرمى عادل هيكل . وبدأت المباراة بهجوم من الزمالك كان أن يحرز منه هدفين في الدقائق العشر الأولى حتى أن جمهور الأهلي بدأ يترحم على فريقه ولكن عادل زاد من مرماه ببسالة واقتدار . بعد ذلك استطاع رفعت وطارق والشربيني أن يسيطروا على الملعب ويوزعوا ألعابهم على الأشبال الجدد ليخترقوا دفاع الزمالك الذي كان يمثل دفاع الجمهورية في ذلك الوقت وكان يتكون من ألدو ويكن وأحمد مصطفى ورأفت . انقلبت الحال وسيطر الأهلي على المباراة حتى كانت الدقيقة 30 حين تبادل لاعبو الأهلي تمريرات انتهت بقنبلة من طه أخرجها ألدو ضربة ركنية بصعوبة، رفعها علوي مطر وتباطأ حسنين وتركها فاندفع السايس منقضاً على الكرة ليسكنها شباك ألدو برأسه في الزاوية العليا، وتعالت صيحات جمهور الأهلي متذكراً هدف صالح الشهير الذي أحرزه في الزمالك في الدور الأول بنفس الطريقة . وفي الاستراحة ما بين الشوطين نصح صالح اللاعبين وأبدى لهم بعض الملاحظات . |
![]() |
وبدأ الشوط الثاني ويعز على الزمالك أن يُهزم من أشبال الأهلي الذي كان في أسوأ حالاته ولعب رأفت وأحمد مصطفى ساعدا دفاع ليستطيع أحمد رفعت مراقبة الفناجيلي، ويهاجم الزمالك لمدة خمس دقائق وفي الدقيقة 18 يقتص طارق الذي تقدم خلف مهاجميه الكرة ليشوط قنبلة من على بُعد 30 ياردة تمر من تحت ذراع ألدو الذي ارتمى عليها بعد أن سبقته إلي المرمى ليسجل هدفاً قاتلاً معززاً للأهلي الفوز . |
![]() |
ومرة أخرى ترتفع صيحات جمهور الأهلي ويرتبك لاعبو الزمالك ويتقدم " يكن " ليلعب جناح أيمن ولكن بدون فائدة، وتستمر سيطرة الأهلي إلي أن توشك المباراة على الانتهاء ويتبادل طه ورأفت الكرة بهدوء قبل نهاية المباراة بدقيقتين ويتلاعب رفعت بالكرة لتسنح له فرصة إحراز هدف على يمين ألدو، لكنه يعدل ويعود ليحاور الدفاع ويفاجىء ألدو بقنبلة على يساره تدخل الشباك . وتنتهي المباراة بالفوز الكبير ويندفع الجمهور ليحمل على الأعناق صالح سليم المصاب ويطوف به أرض الملعب ويصر على أن يقوم صالح بتسلم أول ميدالية لفوز الأهلي بالدوري بالرغم من أنه لم يشترك في هذه المباراة إلا أنه شارك بنصائحه وخبرته وتوجيهاته وقلبه مع النادي الأهلي . |
منتخب مصر : يقول صالح سليم أن الاهتمام بالمنتخب قد حقق تقدماً كبيراً في أسلوب العمل والإدارة خلال السنوات الأخيرة . مثلا كانت المعسكرات تقام في الفنادق في وسط القاهرة وكانت بذلك عديمة المفعول، أما الآن فالتنظيم أحسن بكثير نتيجة لازدياد عناية المسئولين بإعداد الفريق الذي يلعب باسم الجمهورية ولكن لا يمكن أن نتوصل إلي ما نريد تحقيقه في المجال الدولي بل ولن يمكن أن نبني فريقاً دولياً متكامل الشخصية إلا إذا أطلنا فترة إعداد المنتخب . |
![]() |
![]() |
إن الخطط الفرعية هي التي تظهر شخصية الفريق وإعداد مثل هذه الحيل يتم في وقت غير قليل ويجب أن يتدرب عليها عدد معين من اللاعبين لمدة طويلة من أجل تطوير هذه الخطط بحسب ما يتفق وإمكانيات اللاعبين ولكي يتعرف كل لاعب على التوقيت الصحيح الذي يجب أن يتبعه في التصرف بالكرة كما تمليه سرعة زملائه . وأنا اعتقد أن إعداد المنتخب لا يستغرق فترة كافية لكي يتعرف اللاعبون ببعضهم ويتفقوا على تحركات معينة، ولذلك عندما يضم المنتخب لاعبين من أندية كبيرة، نجد أن التفاهم بينهم يكون قليلاً بحيث يظهر الفريق معدوم الشخصية يستوحى أفراده تصرفاتهم في الملعب عن طريق الارتجال بحيث لا يخفى على المتفرج أن الترابط بينهم ليس له وجود ولعل المباريات التي استطعنا أن نظهر فيها بصورة متكاملة إلي حد ما هي التي كان يتكون المنتخب فيها من ستة أو سبعة لاعبين من ناد واحد والباقي من نواد أخرى، أقصد أنه في السنوات التي كان فيها نادي الزمالك في حالة جيدة بحيث كان لاعبو الزمالك يشكلون أغلبية في فريق المنتخب، أو في المواسم التي كان النادي الأهلي في لياقته فكان المنتخب معظمه من الأهلي، تمكنا من تحقيق نتائج طيبة لصالح الجمهورية أما في السنوات التي تكون الأندية كلها في مستوى واحد تقريباً نجد أن المنتخب يشمل تشكيلة من الأندية المختلفة مما يضعف احتمال التفاهم بين اللاعبين . حقيقي أن الفرق الدولية الممتازة مثل انجلترا والبرازيل قد تتكون من أكثر من أربعة أو خمسة نواد ومع ذلك يمكننا أن تتعرف من خلال مبارياتها على شخصية متكاملة ولكن في حالة مثل هذه الفرق يعتبر الوقت الذي يقضيه لاعبوها سوياً قبل المباراة بالنسبة إلي الخبرة والمهارة التي تتوافر في هؤلاء اللاعبين كافياً لكي يتأقلم كل منهم على طريقة التعاون والتفاهم في هذه المجموعة . ويمكن تشبيه ذلك بفرقة موسيقية، إذا كان العازفون على درجة كبيرة من الكفاءة لا يلزمهم أكثر من مرتين لعمل البروفات حتى يتحقق الانسجام التام في الأداء، أما إذا كانوا قليلي الخبرة فعليهم أن يقوموا بتجارب كثيرة لكي يضبط كل منهم توقيت دوره في الأداء . وبالنسبة لمستوى فريقنا الدولي أعتقد أنه يجب إطالة فترة تدريب اللاعبين سوياً كل في مركزه حتى يتحقق التفاهم التام بينهم . |
![]() |
الجمهور : جميل أن يكون لكل رياضة جمهورها فبه تستطيع الرياضة أن ترقى وعليه يقع بعض العبء في النهوض بفريقه والأخذ بيده وقت الشدة وعلى ذلك فإن جمهور الرياضة له حقوق على فريقه بما يمنحه له من تشجيع وعناية وله كذلك مسؤوليات تجاهه . ولكن بعض مشجعي النوادي ينتحلون هذه الصفة من أجل الشهرة وحب الظهور أي أنهم يتخذون من تشجيع كرة القدم إعلاناً لهم من أجل ترويج مصالحهم . هؤلاء الناس لا يهمهم مستوى اللعب واللاعبين ولذلك يتجهون إلي دعوتهم للسهر واللهو وبذلك تقل لياقتهم . ونجد أن هذا النوع من الجمهور يكيل المديح بصرف النظر عما إذا كان اللاعب يستحق الثناء فعلاً أم لا . ولا يخفى أن مثل هذا التدليل لابد وأن يطعن شخصية اللاعب بسكين الغرور ولاسيما إذا كان في مقتبل عمره . لا يختلف اثنان على أن صالح سليم هو نجم الكرة الذي يتمتع بحب وإعجاب أكبر عدد من الناس فجمهور النادي الأهلي يعشق فنه بجنون أما جماهير النوادي الأخرى حين يتعذر عليها أن تحبه نظراً للتعصب فإنها لا تملك إلا أن تنظر إليه بعين الاحترام والتقدير وإذا نظراًً إلي علاقة صالح سليم بجمهوره لوجدنا أنه ليس من النوع الذي يحسن استثمار شعبيته أو يتكالب على الإبقاء عليها، بمعنى أن تصرفه تجاه بعض المعجبين لم يكن دبلوماسياً في كثير من الأحيان بل إنه كان مقصراً في حق كثير من المجاملات، حتى اتهمه البعض بالغرور والتعجرف، ويقول صالح إنه بالنسبة لعلاقة اللاعب بجمهوره ليس يكفي أن يحترس من الدخلاء الذين يشوهون الواقع بل يجب أن يكون مستعداً نفسياً لمواجهة جمهور المتعصبين، فأحياناً عندما لا يكون اللاعب موفقاً في أحد المباريات ينهال بعض المشجعين عليه بالسب والشتائم بعد المباراة وأعرف بالذات عندنا في النادي الأهلي أن بعض اللاعبين عندما لا يلعبون جيداً في إحدى المباريات يتغيبون عن التمرين التالي خوفاً من شتائم وإهانات المشجعين وهم بذلك يضرون أنفسهم ويفقدون مزيداً من اللياقة كان من الممكن أن يكتسبوها بالتدريب وباختصار ينبغي أن نحذر المديح وأن لا نأبه بالشتائم ويا حبذا لو يلعب اللاعب ليرضي نفسه على شرط أن يكون من النوع الذي تلح عليه نفسه بأكثر مما يطالب به الجمهور . |
![]() |
إلي النمسا عندما قرر فريتز المدرب النمساوي للأهلي أن ينقل إلي النادي الأهلي أسلوبه وسيط أوربا في كرة القدم، وعندما توخى في صالح سليم استعداداً لشغل مركز قلب الهجوم المتأخر لم يكن يتخيل أنه سوف يتجاوب بهذه السرعة وأنه سوف يحقق كل هذا النجاح، وإزاء التقدم المستمر الذي ظل صالح يحققه يوماً بعد يوم والذي لمسه فريتز حتى بعد أن ترك النادي الأهلي إلي نادي طنطا لم يتردد في أن ينصحه بالاحتراف . وقال له أنه يعتقد أن مستواه يؤهله للعب في أندي وسط أوربا وعرض عليه أن يتوسط لدى بعض أصدقائه لضمه إلي أحد نوادي النمسا، ولكن صالح لم يتحمس لهذه الفكرة في بادىء الأمر، فقد كان يعز عليه أن يغترب عن وطنه وناديه . ولما عاد فريتز إلي بلده أرسل خطاباً مطولاً إلي صالح يسرح له فيه أنه يدرب نادياً يدعى ج . ا . ك (G.A.k) وأن أقنع المسئولين فيه بوجوب إحضار لاعب من الخارج . وأفهمه أن هذا النادي يقع في بلدة جراتز ويلعب في الدوري الممتاز إلا أن نتائجه في النصف الأول من دوري ذلك العام (1963) كانت سيئة بصفة خاصة إلي الحد الذي يهدده بالهبوط وأكد فريتز لصالح في هذا الخطاب أنه برغم الظروف العصبية التي يمر بها هذا النادي فإن لديه من التكتيكات ما يلائمه بعد أن يُطعم بصالح سليم . وأعرب له عن ثقته في أن تعاونهما معاً سوف يحدث أثراً منقطع النظير وأرفق فريتز في نفس المظروف عقداً ليوقعه صالح إذا وافق على الاحتراف في النمسا . وما كان من صالح إلا أن حمل الخطاب إلي المرحوم محمود مختار " التتش " ليأخذ رأيه في مسألة السفر، ورحب الكابتن مختار بالفكرة وشرح له أنها فرصة طيبة للعب والدراسة وشجعه على المضي فيها . ومما هو جديد بالذكر أن المرحوم مختار كان قد رشح صالح لبعثة إلي الخارج تطبيقاً لسياسته في الاستفادة من اللاعبين الدوليين الذين يحملون شهادات جامعية في المراكز القيادية الرياضية نظراً للعجز الواضح في هذا المجال في مصر . استأذن صالح من المسئولين في النادي الأهلي فسمحوا له بالسفر في النصف الثاني من دوري عام 1963 وبرغم افتقاد اللاعبين والأعضاء والجمهور للمايسترو إلا أنهم تمنوا له التوفيق والمستقبل المشرق في عالم الاحتراف . جراتز : وصل صالح إلي مطار فينا حيث انتظره بعض المسئولون من نادي ج . ا . ك وركب معهم القطار إلي بلدة جرايتز مقر النادي . وعندما توقف القطار في المحطة أي صالح ما لم يكن يخطر له على بال .. لافتات معلقة تحمل اسمه في كل مكان وهتافات باللغة العربية ترحب به على أرض النمسا . وكان الطلبة العرب الذين يدرسون في جراتز قد أعدوا له هذا الاستقبال الحار وعلى رأسهم د . محمد شفيق وهكذا بدأ صالح حياة الاحتراف وهو يتقاضى أكبر مرتب يحصل عليه لاعب أجنبي محترف في النمسا . وعندما قابل رئيس النادي لأول مرة، طلب منه أن يشترك في المباراة التالية وكانت بعد ثلاثة أيام أي أنه لم يترك له سوى يومين يقضيهما مع فريتز وزملائه الجدد كما أنه لم يكن قد تدرب في مصر منذ ولا لانشغاله بالاستعداد للسفر ووداع الأصدقاء . |
![]() |
وفي يوم المباراة احتشدت المدرجات بجمهور غفير فقد جاء الطلبة العرب في أتوبيسات خاصة واحتلوا مكاناً من الملعب ليبدءوا منه التشجيع التقليدي والهتاف . ونزل صالح إلي الملعب وهو يدعو الله أن يوفقه في أول مباراة يلعبها كمحترف، وفعلاً استجاب الله لدعواته وتألق وهو يسجل ثلاثة أهداف في الشوط الأول ويتسمع إلي الجمهور النمساوي وهو يجاري جهور الطلبة العرب ويردد صالح .. صالح . ويومها لم يصدق فريتز عينيه وهو يرى فريق نادي ج . ا . ك المهدد بالهبوط يفوز بأحد عشر هدفاً وخرجت الجرائد النمساوية تمجد اللاعب المصري ( سليم ) وقالت عنه أنه ( مفكر كبير ). توالت المباريات وظل صالح يقدم عروضاً أذهلت المسئولين في النادي فلعب أربع مباريات متتالية سجل في كل منها هدفاً وصنع أهدافاً، وتقدم ناديه ليتصدر النصف الثاني من الدوري بعد أن كان مهدداً بالهبوط . ومن المباريات الحساسة تلك التي لعبها ج . ا . ك مع نادي جلاجن فورت على أرض الأخير وكان فوز ج . ا . ك في هذه المباراة يعنى أنه سوف يخرج من منطقة الخطر . وقبل المباراة حذر فريتز صالح من أن المدافع الذي سوف يراقبه يشتهر بالخشونة ويعتمد على إرهاب الخصم . وقد كان عملاقاً إلا أن مستواه الفني ما كان ليعطل صالح . ولم تمض دقائق على بداية المباراة حتى كان قد ضرب صالح مرتين فأنذره الحكم ولم تمض عشرون دقيقة حتى كان صالح قد انتقم لنفسه وخرج المدافع يحمله رجال الإسعاف . وطالب جمهور نادي جلاجن فورت الحكم بأن يطرد صالح، إلا أنه كان يرى أن صالح لم يتعمد إيذاء المدافع . وقبل نهاية المباراة بعشرين دقيقة سمع صالح تصفيقاً حاداً دون أن يلحظ لعبة معينة تستحق هذا التصفيق والتفت ليرى الظهير العملاق يشير إلي الحكم يستأذنه في النزول ويشير إلي صالح بكل إشارات الوعيد، فإذا بصالح يتلاعب بالمدافع العملاق حتى ضحك جمهور جراتز ولم تختف ابتسامته إلا عندما أطلق الحكم صفارته منهياً المباراة، وسالت دموع الفرحة بنجاة ناديهم من الهبوط وعادوا إلي بلدتهم ليقيموا احتفالاً كبيراً بهذه المناسبة . |
![]() |
وبدأ صالح يحصل على شعبة في جراتز امتدت إلي العاصمة فينا وسرعان ما أحبه الجمهور وقدره إداريو نادي ج . ا . ك وظلوا يحاولون معه لكي يجدد عقده للموسم القادم، وقدموا له عروضاً مغرية كأن يتكفل النادي بإحضار زوجته وولديه من مصر وأن يهيأ لهم سكناً مناسباً ومدرسة قريبة للأولاد إلا أن حنينه إلي الوطن والي النادي الأهلي وخاصة أن المسئولين بالنادي كانوا يتصلون به في النمسا طالبين منه العودة . كل هذه العوامل حالت بين صالح وبين الاستمرار في اللعب خارج مصر وفضل أن يعود إلي وطنه بين أهله وأصدقائه وان يلعب بين زملائه وأمام جمهوره . |
![]() |
بين الهواية والاحتراف : إن الفارق بين مستوى الشبل ومستوى الفريق الأول في النادي يمثل القوة الدافعة لدى اللاعب الصغير لكي يجاهد ويصقل كل ما لديه من موهبة ولياقة حتى يرتفع بمهارته إلي الحد الذي يؤهله لتمثيل النادي . هذه المرحلة من حياة الشباب تعتبر المصفاة الأولى التي تنتقى من أثبتوا براعة وإحساساً بلعبة كرة القدم تتقدمهم إلي الجمهور في مباريات الدوري والكأس وعندئذ يجد اللاعب نفسه فيما يشبه مفترقاً للطريق وتتنازعه النداءات بداء من قلبه الذي أولع بالكرة يلح عليه في مزيد من الجهود فيها ليلعب في منتخب الجمهورية ثم ليصبح نجماً متألقاً في بلده ونداء من مستقبله يدعوه إلي التركيز لإعداد نفسه من أجل عمل أو مهنة يعترف بها المجتمع ويستطيع أن يعتمد عليها في مستقبله، والى يحدث في أغلب الأحيان أنه يحاول تلبية النداءين معاً وينتهي الأمر بأنه لا يفي بحق أيهما على أكمل وجه . |
![]() |
فأولاً قلما تجد لاعباً موهوباً يستطيع أن ينتج في مهنته بنفس الكفاءة التي يتمتع بها زميل له لا يلعب الكرة وذلك طبعاً لأن ظروف هذه اللعبة تملأ عليه جزءاً كبيراً من حياته وثانياً لا يمكن إنكار أن من كانت الكرة عمله الأساسي – أي من كانت محترفاً - ينام فيحلم بالخطط الفرعية والنقلات وتبادل المراكز تتوفر له سبل الإجادة والمستوى الرفيع لإمتاع الجمهور بأكثر مما يتحقق له وهو مشغولاً بعمل آخر |
![]() |
ويقول صالح سليم " أنا لا أقصد بالاحتراف أن يكون اللاعب لا هم له ولا شاغل في الدنيا إلا الكرة، فلا غنى عن نشاط ذهني آخر فالمفروض أن لا يقضي اللاعب المحترف أكثر من 4 ساعات في التدريب يومياً ولابد أن يشغل بقية يومه بنوع من العمل المفيد يكفل له اتساعاً في الأفق واتصالاً بأفكار المجتمع ويجدد طاقته على ابتكار الألعابـ وإنما ما أعنيه أن تنال الكرة الاهتمام الأول ثم ينبغي أن يأتي هذا النشاط في المقام الثاني . لقد حملتني هذه المشكلة كثيراً من المضايقات عندما كنت أشعر بالحرج من زملائي في العمل لاضطراري إلي التخلف أيام التدريب بالحرج من زملائي في العمل لاضطراري إلي التخلف أيام التدريب في النادي وفي نفس الوقت كانت زحمة العمل تحول بيني وبين سرعة تبلور الموقف أمامي لاتخاذ القرار المناسب في الملعب، فكنت أشعر أنني لا أقدم للنادي أحسن ما أستطيع، وإنني أعتقد أنه من حق الجمهور أن نقدم له عرضاً فنياً لائقاً يصل إلي مستوى الذوق الكروي عام 66 ، إن الجمهور يتوق إلي اليوم الذي يرى فيه كرة قدم تلعب في بلده على غرار ما يراه ويسمع عنه في التليفزيون من مباريات الفرق الأجنبية، واعتقد أن نظام الاحتراف بما يوجده من حافز شخصي لدي اللاعبين وما يوفره من استقرار نفسي وانتظام جاد هو الطريق العملي الذي لابد أن يأتي في المرحلة الأول من انطلاق اللاعبين المصريين إلي خبايا هذه اللعبة والإلمام بأسرارها حتى يتسنى لهم إشباع رغبة الجمهور في التمتع بلعب كبير " |
![]() |
![]() |
حملات من النقد إذا كنا نشفق في الحياة على الضعيف الذي يبذل مجهوداً متواصلاً من أجل غاية صعبة، فنظر له بروح الاحترام تقديراً لكفاحه وتصميمه حتى ولو تداعت قواه ولهثت أنفاسه دون أن يحقق هذه الغاية فإن ذلك لا يحدث أبداً في ميدان الرياضية . وإن كانت الأنفاس اللاهثة وراء غاية وساماً تتقلده في معترك الحياة فأنها تبعد عن ذلك كل البعد في مجال الكرة . ليس بالخفي أن اللياقة البدنية للاعبي الكرة عندنا في مصر بوجه عام أقل كثير مما ينبغي أن تكون عليه، ولعل معظم النقاد الرياضيين لا يتركون مناسبة تقوتهم عند وصف مباريات الكرة بالإذاعة والتلفزيون والصحف ليتكلموا عن الفارق الشاسع بين ما نراه من الحالة الصحية للاعبي النوادي المصرية وبين ما نراه في مباريات الفرق الأجنبية سواء كانت تلعب هنا على ملاعبنا أو التي حضرها التليفزيون لنا من الخارج . وأنه ما من محب مخلص لكرة القدم يستطيع أن ينكر رعشة الحسرة تسرى في أوصاله كما تبينت له هذه الحقيقة أو حتى جالت برأسه هذه الفكرة . وعلى هذا الأساس اندفعنا جميعاً في حملة نطالب فيها اللاعبين بالعناية بصحتهم والمحافظة عليها وتأدية التدريبات الرياضية اللازمة والمختلفة ليتجنبوا خجل التراخي والإعياء أو على الأقل لتسمح فهم صحتهم عامة ولياقتهم خاصة بالتركيز على اللعب بدلا من التشتت وراء جمع أنفاسهم اللاهثة . وإن كنا حريصين على إعطاء اللياقة البدنية والمجهود حقهما فإننا أيضاً حريصون على ألا تأخذ اللياقة البدنية في لعبة مثل الكرة أكثر من حقها بمعنى أنه لا ينبغي أن يدفعنا شعورنا بأهميتها إلي أن نعتبرها المقياس الوحيد للإجادة في هذا المجال أو حتى أن نضعها في المقام الأول بين المقومات التي تصنع لاعب كرة ممتاز . وجدير بنا أن نذكر أن اللياقة البدنية في حد ذاتها لم تكن أبداً في يوم من الأيام السبب في إعجاب الجمهور بأي لاعب كان . فعلى سبيل المثال عندما أدهشنا جارنشيا أو بيليه ودي ستيفانو وبوشكاش لم يكن ذلك لأنهم استطاعوا أن يلعبوا مدة تسعين دقيقة في مجهود متواصل وعدو غير منقطع بل ربما لم يهتم الكثيرون منا بهذه الحقيقة أو حتى لم يلاحظوها لأنها بقيت في مكانها الطبيعي في المرتبة الثانية تساعد وتخدم فقط الجوهر الأساسي عند هؤلاء اللاعبين ألا وهو التفكير السريع واستخدام الذكاء في إرسال تمريرات قاتلة في لحظات مناسبة وفي أماكن حساسة وبهرنا التنفيذ العملي السريع لدراسة التوقيت والحركة، مثل وقوفهم في الأماكن غير المراقبة وما إلي ذلك من التكتيكات البارعة . هذا هو الفارق بين كرة القدم وسباق الخيل أو هذا هو السبب في أن الكرة نالت استساغة الرأي العام في العالم كله أكثر من أي لعبة أخرى مثل الملاكمة أو المصارعة ذلك لأه يدخل فيها عنصر التفكير الإنساني وعنصر الذكاء بدرجة أكبر بكثير من التي يدخل فيها المجهود المبذول أو القدرة العضلية المستخدمة، ففي لعبة كرة القدم يسهم العقل المفكر بدور أهم من الدور الذي يلعبه الحسد . ولعل إعجاب الناس بصالح نفسه لم يكن في يوم من الأيام مبنياً على سرعته الفائقة أو كثرة تحركاته في الملعب أو مقدار الجهد الذي يؤديه في المباراة بقدر ما كان هذا الحب والإعجاب وليد الفن الذي ينطق به لعب صالح سليم حين يتصرف بالكرة داخل الملعب بطريقة أسهل من التي تصورها المشاهد وتمنى له أن يحققها فيستريح المتفرج نفسياً ويعشق لعبة الكعب أو ما أسموه برقص الباليه . فعندما عشق الناس أسلوب صالح لم يكن ذلك لأنه كان يبذل مجهوداً ضخماً حين يلعب ولكن على العكس لأنه لا يبذل مجهوداً كبيراً بل ويضيع على الخصم مجهوداً أكبر . |
عقدة السن : إن عقدة السن تسيطر على تفكير بعض الناس وتشغل بالهم بلا مبررات كافية فإجادة لاعب الكرة في نظرهم تتناسب تناسباً عكسياً مع سنه، فاللاعب يكون في أوج مجده حين يكون عمره 19 سنة وابتداء من عامه الخامس والعشرين يبدأ مستواه في الانحدار حتى إذا ما بلغ الثلاثين من العمر يصبح لعب الكرة بالنسبة له رجس من عمل الشيطان . ونذكر على سبيل المثال أنه عندما حضر فريق نادي انترناسيونالي إلي القاهرة ليلاعب نادي الزمالك كان من بين بعثة الفريق لاعب جديد هو منفريديني تعاقد معه النادي الإيطالي وكانت أول مباراة يشترك فيها مع انترناسيونالي هي مباراة الزمالك على أرض الإستاد . هذا اللاعب صرح في التليفزيون أن سنه ثلاثون عاماً ولم تبدو عليه بادرة من الخجل أو التحرج هو يقول هذا الكلام . ولسنا نظن أن نادياً مثل انترناسيونالي يتعاقد مع لاعب إلا إذا كان واثقاً من أنه سوف يستفيد من هذا اللاعب لبضع سنوات على الأقل . |
![]() |
في كلام بعض النقاد عن صالح وجدنا الكثيرين يهتمون ويركزون على موضوع السن على أساس أنه النقطة التي يستطيعون الهجوم منها وتخرج الفتاوى " تقدم صالح في السن إذاً فهو غير لائق بدنياً ". |
![]() |
![]() |
مما لا شك فيه أن الصحة والقدرة على بذل المجهود تقلان مع السن ولكن من البديهي أيضاً أن الخبرة تزيد مع السن ومن الطبيعي أن تساعد الخبرة على تقليل المجهود . هذا بالنسبة لأي لاعب فما بالنا بلاعب مثل صالح سليم الذي تكمن موهبته في قدرته على تغطية المجهود بالتصرف . لقد رأينا سير ستانلي ماتيوز اللاعب العجوز بقلة من المجهود الجسماني وكثير من الخبرة والدهاء يرهق أحسن لاعبي العالم وهم قي قمة العافية واللياقة البدنية وعنفوان الشباب . إن محاولة الهجوم على صالح من ناحية السن واللياقة يعتبر سلاحاً أثبتت الأيام عدم جدواه فحينما بدأ بعض النقاد يهاجمون صالح لم يبدءوا منذ سنة أو سنتين بل منذ خمس سنوات وجدنا من يلح عليه بالاعتزال ولكنه مضى يقود ناديه إلي طليعة الدوري وعاد من كانوا يطالبونه بالاعتزال ليكتبوا أن النادي الأهلي حين يمر بمحنته هو في أشد الحاجة لخبرة صالح . |
الهجوم على قلب الهجوم : لعل صالح سليم بلغ ذروة التحمل وضرب مثال الجلد في صموده أمام الحملات الصحفية التي شنها عليه النقاد ومكث صامتاً إزاء عاصفة الاتهامات وسلك مسلكاً رياضياً فلم يتصد ليرد على السيوف التي انهالت عليه بل واصل التدريب وضاعف المران وتركها تتفتت على عزيمة من فولاذ وإرادة من حديد . وإذا نظرنا إلي الانتقادات التي وجهت إلي صالح نظرة موضوعية لوجدنا أن الذين يهاجمونه اليوم هم الذين ملئوا الصفحات عنه بالمديح قبل ذلك فما السبب الحقيقي وراء ذلك الهجوم؟ الواقع أن صالح سليم عمر في الملاعب أكثر من أي لاعب مصري آخر وعاصر ثلاثة أجيال من اللاعبين من أبو حباجة إلي فيصل وهذا ما لم يحدث من قبل فتوقع له النقاد مقدماً عدم القدرة على الاستمرار في اللعب وسارعوا بإعلان اعتزاله من أجل السبق الصحفي ومن أجل أن يقدموا إلي الجمهور مادة ناجحة جديدة تثير المجادلات التي تتردد أسماؤهم خلالها وكأن من لجأ إلي هذا الأسلوب من النقد قد وضع نفسه في مكان الصقور التي تحوم في سماء المعارك تنتظر بفارغ الصبر سقوط الأبطال لتنقض عليهم وتنهش لحومهم . نفذ صبر بعض النقاد في انتظار سقوط صالح، وكان الأولى بهم أن يتجهوا إلي البناء بدلاً من الهدم وبدلا من التربص وتصيد الأخطاء محاولين كسر شوكته والتأثير على نفسيته، كان أجدر بهم أن يدلوه على طريقة تصحيح ما تخيلوه من أخطاء وبدلاً من تثبيط همته كان واجباً عليهم أن يشجعوه على المواصلة والاستمرار ضاربين له الأمثال بالمعمرين في اللعبة كبوشكاش ودي ستيفانو وستانلي ماتيوز وغيرهم حتى يقتدي بهم وإن كان هناك من النقاد من يدعي أنه إنما ينادي باعتزال صالح من أجل أن يفسح المجال أمام المواهب الشابة فإنهم يعلمون حق العلم أنه ليس من السهل أن تنجب الملاعب من هو مثل صالح سليم وأن المستوى الرفيع الذي بلغه هذا اللاعب لا ينبغي أن يدفعنا إلي القنوع على أساس أنه أدى واجبه وأكثر بل ينبغي أن يحثنا على أن نطمع منه في المزيد وهذه هي سنة التطور والتقدم في كل مكان وكل زمان . قلت لصالح سليم لست أريد منك دفاعاً عن الاتهامات التي وجهها إليك بعض النقاد فلعل تجاهلك لحملة النقد وتركيزك على المران كان أبلغ دفاعا . وإنما أريد أن تكون أكثر إيجابية وأن تتكلم بصراحة عن النقد الرياضي في مصر بوجه عام وبصفتك لاعب مخضرم أعتقد أنه لابد وأن يكون ثمة شيء وضح لك من خلال السنين التي أمضيتها في الملاعب . |
![]() |
محنة : قال صالح سليم " إذا كنت أجمع مع النقاد على أن لعبة كرة القدم تعاني في بلدنا محنة فإنه لا ينبغي للناقد أن يتناسوا أن النقد الرياضي في محنة هو الآخر . زمان لم يكن هناك نقد رياضي بالشكل الذي نراه اليوم في الجرائد ولم يكن ما ينشر عن مباراة دولية يتجاوز بضعة أسطر تقتصر عادة على سرد النتيجة وتوقيت إصابة الأهداف . ونتيجة لمجهودات الدولة نما الوعي الرياضي لدى القراء وصار اهتمامه بالكرة يكبر يوماً بعد يوم فكان من الطبيعي أن يزداد اهتمم الصحف والمجلات بها وان تكرس لها مكاناً أكبر وصفحات أكثر، ومع اختلاف شخصيات الكاتبين أستطيع أن ألمس أساليب متعددة للكلام عن الكرة . هناك من لم يمارس أي لعبة على الإطلاق وهو بعيد عن المجال الرياضي وليست كرة القدم من الأشياء التي يسهل له أن يعالجها من الناحية الفنية وهؤلاء أقسمهم إلي نوعين : كبار الكتاب الذين يعالجون موضوعات الساعة ويتعرضون لكرة القدم بين حين وآخر على اعتبار أنها تلقى اهتماماً كبيراً من المجتمع المصري في هذه الأيام . ونجد انهم يناقشونها من زاوية عامة سواء كانت اجتماعية أو أخلاقية أو عاطفية ولكنهم لا يتدخلون في التفاصيل التكتيكية للعبة . مثل هذه الكتابات تفيد اللعبة وتزيد من جمهورها بل وتفيد القراء لما يجده هؤلاء الكتاب أحياناً من معان هادفة في اللعبة يمكنهم أن يشعروا بها وأن يصفوها من مقعد المتفرج . أما النوع الثاني من غير المتخصصين فيتمثل في الصحفيين الذين وجدوا أن الناس لا تلتفت إلي كتاباتهم فتحولوا إلي الكرة استجداء للقراء ولنفس السبب عمدوا إلي أسلوب التهكم على اللاعبين والتورط في ملء صفحات الجرائد بالكلام الرخيص الذي يتسم بالصفاقة وينطق بالجهل الشديد . حقيقي أن جزءاً كبيراً من الاستمتاع بكرة القدم يأتي عن طريق إبداء الآراء في الملعب والتعليق على تحركات اللاعبين وأن اختلاف الآراء والنقاش بين المفترجين إذا تم بطريقة مهذبة يشكل متعة للجمهور هي من حق كل من أحب اللعبة، وعلى ذلك فلست أنكر على أي شخص حقه في إبداء رأيه من الناحية الفنية في أي لاعب أو أي فريق مهما كان خطأ أو تخريفاً ولكن إذا كان هذا الرأي سيخرج في الصحف ويكتب البنط العريض ويصاغ في أسلوب الإقناع فإني أرى أن ذلك يمثل خطراً كبيراً بل واعتداء على الذوق الكروي للقراءة ولاسيما إذا كان هذا التعليق قد كتب بطريقة غير مهذبة . فالناقد الرياضي وخاصة في عالم الكرة يجب عليه تفهم أصول اللعبة والإلمام بجميع ظروف المباريات . والناقد الرياضي حتى الذي يفهم في الكرة ويطالب اللاعبين بالحذر من الأنانية والاحتراس من الغرور قد يقع رغماً عنه في مصيدة الأنانية وفخ الغرور . |
![]() |
بعض هؤلاء النقاد يتصور أنه يفهم في جميع الألعاب ويتخيل أنه الترمومتر الوحيد في عالم الرياضة فهو الذي يدعو إلي نصب الموالد وهو الذي يدعو إلي فضها، كذلك فإن بعضهم ذهب إلي الكتابة الهزلية الرياضية دون إلمام كاف بأسلوب الكتابة فيأتي كلامه غير مفهوم لمن كان ضعيفاً في القافية . ثم إني أخشى على الأمانة الرياضية لهؤلاء النقاد من جراء ابتداع هذا الأسلوب فلربما اضطروا إلي ضغم المعاني من أجل ابتداع الألفاظ ذات الرنين الهزلي مما يتنافى مع الرسالة التي يجب أن يحملها الناقد الرياضي . وهناك أيضاً من توهم أنه يستطيع أن يراقب 22 لاعباً خلال 90 دقيقة ثم يقدر درجة إجادتهم بميزان حساس ومعيار دقيق واعتقد أنأي شخص غير محتاج إلي كثير من الذكاء لكي يقول إن هذا كلام غير معقول لسبب بسيط وهو أنه مهما كانت عيناه في حدة عيون الصقور، فهناك عوامل كثيرة يجب وضعها في الاعتبار عند الحكم على لاعب في الملعب لتقدير العوائق التي مرت به، فهل أجاد التصرف بالكرة وأخذ الأماكن المناسبة وهل أحسن تنفيذ الخطة الموضوع له وللفريق؟ ولقياس حالة الخصم وهل كان يظهر مقاومة فعالة أمانه كان غير موفق فسهل مهمة اللاعب وغيرها من العناصر المتشابكة المتداخلة . فلو أحضرت أحسن خمس نقاد كرة قدم في العالم وطلبت منهم التركيز على تقييم لاعب ما في أي مباراة وتقدير درجة إجادته لاختلفوا فيما بينهم، فكي يستطيع شخص واحد أن يُقيم 22 لاعباً في آن واحد ثم يدعى لنفس الأمانة في التقدير . وإنه لمن السذاجة أن نلتفت إلي مثل هذه الدرجات . وأخيراً أحب أن أضيف أن الهجوم الشديد على اللاعبين الجدد دون إعطائهم الفرصة مرة واثنين لا يمكن أن يفيد الكرة في شىء بل على العكس قد يؤثر على نفسية اللاعب بطريقة عوق موهبته من النمو وأخذ دورها في التطور السليم . وإذا كان لابد من الشهرة على أكتاف اللاعبين فليكن بالحسنى لأنه إذا جاء اليوم الذي يقضون فيه على جميع اللاعبين فمعنى هذا أنه لن يكون هناك نقاد . |
![]() |
هل يعتزل؟ كانت شخصية صالح وحبه لكرة القدم أقوى من نصائح من طالبوه بالاعتزال وأثبتت لنا الأيام ذلك يوم مباراة منتخب مصر والنادي الأهلي في 20 فبراير سنة 1966 ، وفي ذلك اليوم رأينا أحد هؤلاء الناصحين قد أحمر وجهه واحتقنت الدماء في عروقه تنهال عليها أصداء من كل مكان تمزق عنان السماء مرددة في حماس وإصرار : صالح .. صالح . مع هذا الشخص ومع كل من ألح على صالح بالاعتزال نتساءل لماذا كل هذا الهتاف؟ هل خرج هذا الاسم من بين شفاه الجماهير كنوع من الصدفة أو فلتة اللسان أم تراه نوعاً من الإغاظة الغرض منه أن تحتقن بعض العروق وتحمر بعض الوجوه؟ لا هذا ولا ذاك ولكن لسبب آخر بسيط يعمله كل من سع عن كرة القدم . قالوا له اعتزل والا لفظتك الملاعب . إن الملاعب لا تلفظ اللاعب المخلص أو الموهبة التي لا يسهل أن تتكرر ولكنها تلفظ من يساوم عليها أو ينسى فضلها عليه . لن يعتزل صالح سليم الكرة أبداً فإن اعتزلها كلاعب لن يعتزلها كإداري أو كمدرب أو كناقد وإن اضطر إلي اعتزالها فلن تعتزله هي وسيبقى اسمه خالداً في صفحاتها ليس كلاعب نال من الشهرة والشعبية وحب الجمهور ما لم يحلم به لاعب في العالم العربي فحسب ولكن باعتباره طفرة أسهمت في التطور الفعلي للعبة في هذه البلاد . ولن تلفظه الملاعب وإنما ستتلفظ باسمه كلما ومضت في الملعب تمريرة سحرية أو غمرة كعب أو رقصة باليه . لقد استحق صالح سليم أن يكون قصة تروى لكل لاعب ناشي يتطلع إلي موهبة فذة ورجولة عنيدة . |